حين يخفت نضال الرجال.. تبرز أكثر قيمة نضال المرأة.. ويصبح دينا على كل من طالته ثمرات نضالها.. وساهم جهدها في إيصال الحق إليه.. أو دفع الأذى عنه أن يرد التحية بخير منها وزيادة.. وأن ينشر ملحمة جهادها إحقاقا للحق وتثبيتا للمجاهدين الجدد..
.... وإذا كانت الرموز النسائية المتعددة الاتجاهات الفكرية والسياسية قد حظيت بالشهرة والانتشار سيما في النصف الأخير من القرن المنصرم، فمن الملاحظ أن هذا لا ينسحب على الرموز النسائية الإسلامية اللاتي لم يحظين بالانتشار الذي لمثيلاتهن من التيارات الأخرى ويكاد ينحصر ذكرهن وتأثيرهن على ذوات الانتماء الإسلامي فقط.. بخلاف الرموز النسائية العلمانية التي استطاعت الدوائر الإعلامية العربية والغربية إبرازهن وتسليط الأضواء عليهن كرموز عامة ونماذج تمثل المرأة العربية.. والحقيقة أنهن نماذج للتبعية الغربية والانسلاخ عن الذات.. ومن صفحات ذلك السجل المنسي نستقرئ سيرة امرأة أكدت أن الجهاد قدر يلقى على أكتاف النساء كما الرجال.. امرأة تجاوز جهادها مسألة تحرير الأنثى إلى مسألة تحرير الإنسان.
الطفولة التي عجز عنها الرجال!!
ولدت زينب الغزالي الجبيلي في الثاني من يناير للعام 1917م بإحدى قرى محافظة البحيرة بمصر.. ينتهي نسب والدها من أبيه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. ونسب أمها إلى الحسن بن علي.. وكان جدها تاجرا شهيرا للقطن ووالدها من علماء الأزهر الشريف.. وقد أثرت تربيته الدينية أشد الأثر في زينب ورمت بجذورها في روحها حتى لكأننا نتلمس روح الأب الممتدة في جسد ابنته التي كان يناديها نسيبة تيمنا بالصحابية الجليلة نسيبة بنت كعب المازنية الأنصارية.. التي تزينت باثني عشر وساما ما بين طعنة وضربة سيف تلقتها يوم أحد حين ثبتت مع النبي عليه الصلاة السلام في ساعة تراجع من حوله الناس.. وكأن الوالد يؤهلها لما تخبئه لها الأيام فيصنع لها سيفا من خشب، ويخط لها دائرة على الأرض بالطباشير، ويقول لها قفي واضربي أعداء رسول الله.. فكانت تقف وسط الدائرة.. تضرب يمينا وشمالا.. من الأمام والخلف.. ثم يسألها كم قتلت من أعداء رسول الله وأعداء الإسلام؟.. فتجيب المجاهدة الصغيرة: واحدا.. فيقول لها اضربي ثانية.. فتسدد الصغيرة طعناتها في الهواء وهي تقول: اثنين.. ثلاثة.. أربعة..!!!
بعد وفاة والدها انتقلت مع والدتها إلى القاهرة للعيش مع إخوتها الذين يدرسون ويعملون هناك.. ولم يوافق أخوها الأكبر محمد على تعليمها رغم إلحاح زينب وإصرارها.. وكان يقول لوالدته: إن زينب قد علمها والدها الجرأة، وألا تستمع إلا لصوتها ولعقلها.. ويكفيها ما تعلمته في القرية.. وكانت والدتها ترى أن عليها طاعة أخيها؛ لأنه بمثابة الوالد.. لكن الله قيض لها أخاها عليا وهو الأخ الثاني الذي رأى أن تعليمها سوف يقوم أفكارها ويصوب رؤيتها للأشياء والناس.. واقتنى لها الكتب.. وأهمها كتاب لعائشة التيمورية عن المرأة.. حفظت زينب أكثر مقاطعه.. لكنها لم تكتف بالكتب والقراءة الحرة.. فخرجت ذات يوم من منزلها بحي شبرا وعمرها اثنا عشر عاما وراحت تتجوَّل في الشوارع، فوقعت عيناها على مدرسة خاصة بالبنات فطرقت بابها، وعندما سألها البوَّاب عن غرضها، قالت له: جئت لمقابلة مدير المدرسة فسألها: لماذا؟ فقالت وهي واثقة من نفسها: أنا السيدة زينب الغزالي الشهيرة بنسيبة بنت كعب المازنية.. ولدي موعد معه.. فأدخلها البواب وهو يتعجب من طريقة هذه الفتاة الصغيرة!!!.
دخلت مكتب المدير وبادرته قائلة في طريقة آلية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا السيدة زينب الغزالي، ولقبي نسيبة بنت كعب المازنية.. فنظر إليها الرجل، وتصور أن بها مسا من الجن.. ثم سألها ماذا تريدين يا سيدة زينب أو يا سيدة نسيبة؟ فقصت عليه قصتها وموقف شقيقها الأكبر من تعليمها وطلبت منه أن يَقْبلها طالبة في مدرسته.. وعندما سأل عن والدها وأخيها عرفها وعرف أسرتها.. وعرف جدها تاجر الأقطان المشهور ووالدها الأزهري المعروف.. وأعجب مدير المدرسة بذكاء الفتاة وجرأتها.. فطلب منها إحضار أخيها علي الذي يؤيد تعليمها ليسجلها في المدرسة.. وأجرى لها اختبارا في بعض الأسئلة.. فأجابته بكل ثقة.. ثم انتقلت بعده إلى الصف الأول وبعد شهرين من انتظامها في الدراسة أجرى لها اختبارا ألحقها على إثره بالفصل التالي... وهكذا درست زينب في المدارس الحكومية لكنها لم تكتف بذلك.. فأخذت تتلقى علوم الدين على يد مشايخ من الأزهر منهم عبد المجيد اللبان ومحمد سليمان النجار رئيس قسم الوعظ والإرشاد بالأزهر.. والشيخ علي محفوظ من هيئة كبار العلماء بالأزهر.. وبهذا جمعت زينب بين العلوم المدرسية الحديثة والتقليدية القائمة على الأخذ المباشر من الشيوخ.
حفظوا الله فحفظهم في مماتهم!!
بعد حصولها على الثانوية طالعت في إحدى الصحف أن الاتحاد النسائي الذي ترأسه هدى شعراوي ينظم بعثة إلى فرنسا تتكون من ثلاث طالبات، تمنت زينب أن تكون ضمن هذه البعثة، وتوجهت من فورها إلى مقر الاتحاد والتقت هدى شعراوي التي تعاطفت معها ورثت لحالها وموقف أخيها المتزمت معها، وعلى الفور سجلتها في جمعيتها، وأظهرت ترحيبها بها وسعادتها بصيدها الثمين.. فزينب خطيبة مفوهة تلقت الخطابة والإلقاء عن والدها رحمه الله.. وراحت تقدمها لرواد الجمعية وتطلب منها أن تخطب فيهن.. وكانت ترى فيها خليفتها للاتحاد النسائي.. وسرعان ما وجدت زينب اسمها على رأس البعثة التي تمنتها.. لكن الله أراد لها غير ذلك.
بعد شهر من إعلان البعثة تحدد موعد سفر أعضائها.. كانت الأحلام السعيدة تداعب قلب زينب وعقلها المتدفق حيوية وأملا.. ومن بين تلك الأحلام كان الحلم الأكثر تميزا وتأثيرا.. يوم رأت والدها في منامها يطلب منها عدم السفر إلى فرنسا ويقول لها: إن الله سيعوضك في مصر خيرا مما ستجنينه من البعثة.. فقالت له: كيف؟ قال: سترين.. ولكن لا تسافري لأنني لست راضيا عن سفرك.. وكأن روح الوالد الحنون تتسلل من عالمها الغيبي لتحنو على القلب الصغير الغرير.. تنير له الدرب.. وتجنبه عثرات الطريق.. بعض الآباء يواصلون رعايتهم لأبنائهم حتى بعد وفاتهم.. ويرسلون نصائحهم وتوصياتهم من قبورهم البعيدة..!!!
وسرعان ما عملت الرؤيا مفعولها.. فاعتذرت زينب عن عدم الذهاب للرحلة.. وحل الذهول بهدى شعراوي التي كانت زينب أملا من آمالها.. وتعدها لتكون إحدى العضوات البارزات في الاتحاد النسائي.. وعندما قصت عليها زينب الرؤيا التي رأت.. قالت لها: إن من الأحلام ما يتحقق ومنها ما لا يتحقق.. لا تضيعي الفرصة من يدك يا زينب.. واحتضنتها وهي تبكي.. لكن زينب أصرت على موقفها الجديد وقالت: ما دام والدي قد أمرني فلن أخالف أمره.